بقلم : ألفة طنطاوى

كان المشهد سينمائياً حقاً في داخل دار العرض والتي امتلأت عن آخرها بجمهور يتشوق لفيلم جيد الصنع شيق ومثير. واما الجمهور فقد تشكل من وفود فرق الكرة الخماسية من أنحاء العالم العربي والذين تصادف وجودهم بالقاهرة مع موعد الافتتاح إضافة لعدد ضخم من الأسر العربية الزائرة ومن المصريين وهكذا تواجد بقاعة السينما وفود و ممثلين لمختلف بلدان الأمة العربية جمعهم فيلم " السفارة في العمارة".

رسالة الفيلم كانت واضحة وقوية تتحدث عن سلبية المجتمع وغفلته في مواجهة أخطار تتهدده. سلبية المواطن شريف خيري المهتم فقط بنفسه ونزواته وسلبية الأمن المهتم بالكورة ،والحكومة التي تعمل علي تجميد الحال باعتقاد أنه ليس في الإمكان أفضل مما كان، وسلبية المثقف الغارق في شعاراته. إلي أن تجىء لحظة التنوير حين يدرك المواطن أن من يموت أمامه علي شاشة التليفزيون هو إنسان له ملامح وشخصية وهنا يتخلي عن سلبيته فيقوم بطرد الغرباء.

إذاً الفيلم متميز في فكرته الأساسية ، وجرىء في عرضه لقضية هامة ، ولكن يبقي سؤال
لماذا يجب أن يكون البطل الذي تتطلع اليه وتتعلق به الأمة العربية سافل؟ بمعني أنه متعلق بغرائزه السفلية، ونذل؟ فهو يصاحب زوجة المدير والغفير وكل وأي إمراة يمر خيالها من أمامه. وهو أيضاً جاهل غير ملم بأحداث الساعة لا يعرف الفرق بين مارادونا وخافيير سولانا. وبطلنا لم نرى منه طوال الفيلم أية بطولة حقيقية أورجولة أو شهامة . حتي في لحظة الخطر يقوم الطفل الصغير بانقاذه من الموت وليس العكس.

إذا كنا نود أن نوقظ الوطن من غفلته فيجب أولاً أن نستيقظ نحن من غفلتنا. وذلك لأن صناعة فيلم له قضية يقوم بدور البطولة فيه ممثل يعتقد البعض ان ذو مكانة و قادر علي التأثير في الجماهيرالعربية يوجب علي كاتب السيناريو وعلي صناع الفيلم الإهتمام ببناء شخصية متكاملة لهذا البطل القدوة الذي تتطلع اليه الأمة. ولايصلح هنا القول بأن الكوميديا هي تضخيم للأخطاء من أجل إبرازها وتصحيحها. بداية لأن التركيز علي ذكورة البطل بدلا من رجولته هي بالأساس انعكاس لمفاهيم استهلاكية ،تجارية، ويتحول بالتدريج من نقطة ضعف الي نقطة قوة فهو مثار لإعجاب ضابط الأمن الشاب. بالإضافة الي أنه الدافع الأساسي وراء قيام البطل برفع قضية علي السفارة من أجل استرداد حريته في استضافة من يشاء من نساء وأيضاً لاسترداد إعجاب البطلة الجميلة.

العلاقة بين المرأة والرجل هنا هي تكريس لفكر شائع بأن المرأة فريسة، جسد. فنحن نتابع البطل وهو يسعي لنيل مأربه من الجميلة المثقفة لأنها إمراة جميلة . الحوار بينهما لايتطور، ليست هناك أية أبعاد انسانية في العلاقة أوتبادل حتى لمشاعر. ليس هناك أي بعد انساني للبطلة مجرد مجموعة معلومات عابرة ذكرتها في جملة حوار. هي إمرأة مطلقة متحررة وشخصية ثائرة بحكم انتمائها العائلي. ولكن ماذا عن معاناتها الشخصية وماذا عن قناعاتها وبماذا تؤمن حقاً وهل يمكن للمرء أن يصبح ثائراً ومتمرداً بالوراثة. وفي النهاية و حتي بعد التحول في شخصية البطل يحاول شريف من جديد السعي لنيل مأربه من الجميلة المثقفة ولكنها هي تبلغه بأنها قررت الزواج منه فيوافق.

علينا هنا أن ننتبه لانه حين تتحول المراة الي جسد و حين يتحول الرجل الي فحل تتلخص رجولته في ذكورته فنحن ننزع عن أنفسنا صفة الإنسانية بالتركيز علي كل ماهو أدني بدلاً من التركيز علي كل ماهو أعلي و أرقي، الروح ،القلب والعقل. وحين يقوم كاتب أو أديب أو مخرج أوممثل أوجميعهم معاً بإرتكاب مثل هذا الجرم، أي تجريد الإنسان من إنسانيته ، فهم غالباً ما يقومون بهذا الأمر غير مدركين حقاً لمدي التأثير ومدي الخطورة

الجلوس في داخل ذلك الصندوق الأسودالضخم المسمي بالسينما والتركيز علي قصة حياة أناس لا نعرفهم وتصديق ما يحدث لهم بل والإعجاب والتأثر بهم ، وغالبا ما يكون ذلك علي مستوي اللا وعي ، يلقي بمسؤولية حقيقية علي صناع الفيلم. و هذا الفيلم رغم جديته لم يختلف في تعامله مع المرأة عن أي فيلم درجة ثالثة. بل لم يختلف عن أسلوب التعامل معها في أغاني الفيديو كليب الهابطة. هي مجرد سلعة تباع وتشتري لزيادة الرواج.

ولا أدري لماذا نلوم الصغار من صناع الفيديو كليب إذا كان الكبار من صناع الأفلام المحترمة يقعون فريسة سهلة للإغراء التجاري. و مما يجعل الأمر أكثر خطورة، أنه حين ينال الفيلم إعجاب الناقد واحترام المشاهد فإنه يعتنق كل ما يقدمه له الفيلم من مفاهيم وعلي رأسها اختصار معني الرجولة في الذكورة .

أنا هنا لا أتحدث ولا أطالب بسينما نظيفة ولكن بسينما مسؤولة. أنا لا أطالب بإسدال الستائر علي جسد المراة ولكن بتقديمها في صورة انسانية حقيقية . في فيلم مثل "الراقصة والسياسي" للأديب الراحل إحسان عبد القدوس والتي عرضت للعلاقة بين العهر والنفاق السياسي من خلال قصة إمراة تعمل راقصة كان هناك احترام للمرأة . ولكن في هذا الفيلم المرأة مصلحة اجتماعية ولكنها مهانة مجردة من انسانيتها.

إلي كل صناع الأفلام انزعوا الأغطية والحجب عن جسد المراة كما تشاؤون ولكن رجاء حار وشديد أن تنزعوا الحجب عن عيونكم وأن تنظروا للمرأة بصفتها إنسان له مشاعر قادر علي التفاعل والتعبير عن قضاياه وقضايا مجتمعه. صدقوني المرأة إنسان له عقل وقلب وروح وكذلك الرجل.

This website uses IntenseDebate comments, but they are not currently loaded because either your browser doesn't support JavaScript, or they didn't load fast enough.

اضف تعليق