بقلم : ايناس المنصورى

كان السيد حسين والد السيدة سعدية مع شقيقه ضمن افواج الليبين الذين هجروا بلادهم فى فترة الاحتلال الايطالى (1911-1951م) فانتقل الاخوان الى مصر ثم استقر بهم المقام فى فلسطين ،حيث ولدت السيدة سعدية فى مدينة غزة يوم 14/6/1953،من ام ليبية مهاجرة ، وهى البكرفى اشقائها، وهناك عاشت سنوات طفولتها الاولى حيث تلقت تعليمها الابتدائى ، و فقدت والدها عندما كانت فى العاشرة من عمرها ، وقد اكملت دراستها حتى حصولها على الشهادة الاعدادية عام 1967 م، ، تتذكر السيدة سعدية عن تلك المرحلة من عمرها بانها كانت تقضى معظم اوقاتها فى القراءة والتهام الكتب بنهم ، حيث كانت تحلم بان تكون معلمة لايمانها باهمية التعليم فى التغيير وتطور المجتمعات .

وفى ذلك العام 1967 عادت الحرب من جديد لتطل براسها على سكان فلسطين ،لتجد السيدة سعدية نفسها تغادر مسقط راسها مع والدتها واشقائها الى عمان التى كان يقيم بها عمها واسرته ،وبقيت هناك حتى عام 1969م ، ليقرر عمها الاكبر المقيم بليبيا ضرورة عودة اسرة شقيقيه الى وطنهم بعد رحلة اغتراب طويلة ، وقبل مغادرتها لعمان تزوجت السيدة سعدية من ابن عمها السيد موسى البرغثى الذى كان يكبرها فى العمر بحوالى عشر سنوات لتعود الى ليبيا عروس لم تتجاوز ال16 من عمرها ،على امل ان تواصل فى ليبيا رحلة التعليم التى انقطعت بسبب الحرب والا نتقال من مكان لاخر .

استقرت السيدة سعدية مع زوجها فى مدينة اجدابيا فى شهر فبراير من العام 1969م ، حيث كان يعمل الزوج فى شركة نفطية ، تتذكر السيدة سعدية عن تجربة زواجها المبكر وانتقالها من عالم اكثر تحرر وانفتاح وهو حياتها فى غزة وعمان الى مجتمع محافظ ، اذ اضطرت الى الاقامة فى بيت مبنى سقفه من الصفيح ،ولا تتوفر فيه ادنى مقومات الحياة العصرية ، بالاضافة فرض ارتداء غطاء الوجه (البيشة) * عندما ترغب فى القيام بزياراتها ، تقول بانها اصيبت بالذهول ،وبصدمة كبيرة لفارق الحياة التى كانت تحلم بها ، اذ تغمض السيدة سعدية عينيها وهى تسترجع ذكرياتها عن غزة وشوارعها الواسعة وعماراتها ودور السينما والمسارح ومحلات الملابس ونوع الحياة الاجتماعية الموجود فى تلك الفترة ، وتقارن بين ما وجدته فى مدينة اجدابيا ذات الطابع القبلى المحافظ.

فى اخر العام 1969م ولدت السيدة سعدية ابنتها البكر (منى) لتقرر بعدها مطالبة زوجها بان ينفذ وعده بان تعود لمقاعد الدراسة والعمل لرغبتها فى تحقيق ذاتها واحلامها فى التعلم ،ومد يد العون لوالدتها واشقائها الصغار ، ولكن الزوج فى البداية رفض فكرة التعلم والعمل ثم رضخ لضغوطات عمهما ، فبدات السيدة سعدية فى الدراسة بالمرحلة الثانوية ، لتقرر ادارة التعليم فى ذلك الوقت ان يتم استبدال الثانوية العامة بدبلوم معلمات عام ، لمجموعة من الطالبات الثانوية وكانت السيدة سعدية من ضمن تلك المجموعة التى تحصلت على دبلوم1971م، كما كانت تعمل كمدرسة فى التعليم الابتدائى ، وفى العام 1971 ولدت ابنها ناصر لتنتقل السيدة سعدية الى مدينة بنغازى مع زوجها ، حيث تقول بانها شعرت بسعادة كبيرة فى تلك المرحلة من حياتها لان زوجها اقتنع بضرورة خلعها لغطاء الوجه (البيشه) وبتعلمها للقيادة ، ولحصول تقارب فكرى كبير ونمو صداقة بينها وبين زوجها ، ولكن سرعان ما وافاه الاجل فى حادث سيارة عام 1973 م ، تقول السيدة سعدية عن ذلك : ان فقدانها لزوجها وهى لم تتجاوز العشرين ، شطر قلبها الى نصفين ، وان جرح فقدانها لوالدها فى سن مبكرة عاد لينزف من جديد ،مع وفاة زوجها .

بعد وفاة الزوج عادت للحياة مع اسرتها المكونة من امها الارملة وشقيقتها التى تصغرها فى العمر وثلاث اشقاء ، فى تلك المرحلة من حياتها حاولت الانهماك اكثر فى العمل لتقدر ان تتجاوز احزانها ، وفى العام 1975 تم ترشيحها ضمن مجموعة كبيرة من المدرسات بمدينة بنغازى لامتحان للحصول على دبلوم تربوى خاص فى تخصص اللغة العربية ، فاجتازت الامتحان بتفوق كبير مما جعل المسؤلون عن الادارة التعليمية فى ذلك الوقت يقررون ترشيحها للدراسة بالجامعة فى قسم الدراسات الاسلامية واللغة العربية فى كلية الاداب بجامعة عمر المختار ، الواقعة فى مدينة البيضاء ،التى تبعد ساعتين بالسيارة عن مدينة بنغازى.

بدات السيدة سعدية الدراسة بالجامعة عن طريق الانتساب فى العام 1976،و مواصلة عملها فى التعليم ،كمديرة لمدرسة السيدة سكينة بنت الحسين للبنات فى مرحلة التعليم الاعدادى ، وتربية اولادها الصغار والاهتمام بتعليمهم ، ورعاية اشقائها فى نفس الوقت ، خاصة مع زواج امها .

تقول السيدة سعدية ان مساعدة زملاءها فى الدراسة هى التى جعلتها تكمل للنهاية ،اذ تعرفت على طلبة من نيجيريا والبونسة والهرسك وطالب ثالث من السنغال ، كانوا يقومون بعمل نسخة لها من كل محاضرة ،طوال العام الدراسى ويرسلونها لها بالبريد ، وتقوم السيدة سعدية بالذهاب نهاية كل شهر الى الجامعة لتقدم اى امتحان يطلب منها ،مما كان يعنى انتقالها بالسيارة من بنغازى الى البيضاء والعودة فى نفس اليوم.

استمرت على هذا المنوال حتى السنة الرابعة من دراستها ،حيث تم نقل قسم اللغة العربية الى كلية الاداب بجامعة قاريونس عام 1979، وفى نهاية ذلك العام تحصلت على لسيانس اداب تخصص لغة عربية بتقدير عام جيد وعن جدارة ، ولجديتها فى التعلم والدراسة ولانطباعات اساتذتها عن تفوقها ، اقترح عليها رئيس قسم اللغة العربية بالكلية ان تواصل دراستها العليا ، تقول : ان فكرة حصولها على ماجستير ، بدت لها فكرة رائعة وغريبة فى الوقت خاصة مع استمرارها فى القيام بواجبها تجاه اسرتها ، واولادها ، بالاضافة لعملها كمدرسة لغة عربية فى معهد السيدة صفية (الجماهيرية حاليا) للمعلمات.

فى العام 1981 بدات فى مشوار الدراسات العليا بقسم اللغة العربية ، لتتحصل على دبلوما بتقدير عام جيد جدا وفى الوقت الذى بدات فيه تتحضر لكتابة الاطروحة التى ستنال بها درجة الماجستير ، تعرضت لنكسة نفسية نتيجة للضغوطات التى كانت واقعة تحتها ، مما جعلها تقرر ترك الدارسة ،والاكتفاء بذلك القدر من مشوار الدراسة الجامعية العليا .

انغمست السيدة سعدية بالعمل مع تركيزها على تعليم اولادها واشقائها ، وفى العام 1989صدر قرار بتعيينها موجهة لغة عربية ، استمرت بالتوجيه ، حتى استيقظ من جديد هاجس التعلم عند سعدية ولكن هذه المرة بقوة اكبر ، فقررت العودة لمقاعد الدراسة من جديد فى العام 1993م ، حيث بدات فى الدراسة بالسنة التمهيدية بالدراسات العليا بقسم اللغة العربية ، لتحصل فى نهاية ذلك العام الجامعى على دبلوما ثانية فى اللغة العربية بتقدير عام جيد جدا ، ثم تبدا فى كتابة الاطروحة التى تحصلت بها على درجة الماجستير فى الادب العربى العام 1998م ، كما عرفت الفرحة طريقها الى قلب ونفس السيدة سعدية بتزويجها لابنها ولابنتها فى ليلة واحدة ،وتتذكر عن ذلك بان نفسها اخيرا حصلت على ثوب مزركش بالفرح، والى جانب دراستها بالجامعة مارست تدريس مهارات القراءة والكتابة فى مادة اللغة العربية لطلبة كلية الاقتصاد منذ العام 1994 حتى العام 1999م ، حيث انتقلت الى المعهد العالى لاعداد المعلمين ، فاستمرت بالعمل بالمعهد كاستاذة ورئيسة لقسم اللغة العربية ومازالت فى وظيفتها حتى الان .

لم تكتفى السيدة سعدية بمجرد العمل فى سلك التدريس ، بل انخرطت فى المشاركة فى عدة انشطة تتعلق بالمراءة ، ايمانا منها بدور المراءة فى صنع حياة افضل للجميع ، فسا همت فى عدة لجان تحضيرية لمؤتمرات تبحث قضايا المراءة ، وهى عضوة فى رابطة خبراء بنغازى ، كما صدر لها كتاب عن دار الكتب الوطنية ،بالاضافة لمقالات فى عدة مجلات ودوريات علمية وثقافية.

تقضى السيدة سعدية ما يتبقى من وقت فراغها فى ممارسة رياضة المشى فى محاولة للمحافظة على صحتها ، وفى التمتع باوقات اسرية مميزة مع احفادها ، فى انتظار قرار ايفادها للحصول على درجة الدكتوراة ، ذلك القرار الذى طال انتظاره من العام 1999بحجة تجاوز السيدة سعدية للسن القانونية للترشيح ، رغم ذلك تبقى السيدة سعدية التى تقترب من سن الستين ، متفائلة بامكانية حصول تغيير فى القانون او ان يراعى وضعها الخاص ، محافظة على قدر كبير من النشاط ، فهى تنخرط فى الوقت الحاضر فى العمل على موسوعة معرفية كبيرة ضمن فريق عمل على مستوى علمى كبير ، سعيدة بما انجزته فى حياتها ، تقابل طلابها واصدقائها بروح بشوشة لتبث فيهم الاصرار والقوة.

*هو غطاء للوجه من القماش الخفيف ليساعد المراءة على رؤية الطريق ويكون لونه اسود .

This website uses IntenseDebate comments, but they are not currently loaded because either your browser doesn't support JavaScript, or they didn't load fast enough.

التعليقات

  1. [...] This post was mentioned on Twitter by Dalal, كلنا ليلى. كلنا ليلى said: على موقعنا ليبيا | حكاية احدى ليلى الليبية على دروب التعليم: بقلم : ايناس المنصورى كان السيد.. http://bit.ly/4ZKDtU [...]

  2. Randa says:

    أرى أنكم تحتاجون لمصحح للغة حينما يتعلق الأمر بتدوينة باللغة العربية: فالموضوعات تموج بأخطاء لا تغتفر فى حق اللغة العربية الفصحى: هذه الأخطاء لكثرتها تطغى على جمال التدوينة وتصرف نظر القارىء عن الهدف الأصلى للمقال.. أرجو أن تتقبلوا تعليقى بصدر رحب فحبى لكم ونبل مقصدى هو دافعى للنقد البناء الذى أرجو أن تضعونه نصب أعينكم وأنتم تطورون مدونتكم الراقية...

    بالمناسبة عنوان المقال يجب أن يكون هكذا "حكاية إحدى الليلات.."" لأن جمع ليلى ليلات وأنتم تقصدون واحدة من هؤلاء الليلات على كثرتهن؛ لذا فالعنوان لا يستقيم كما كتبتموه فنحن لا نثتثنى واحدة من واحدة بل من جمع!!!.. هذا على سبيل المثال من جملة أخطاء كثيرة .. فأرجو التصيح

    • Kolenalaila says:

      أهلا رندا..
      شكرا على تعليقك ..
      أرجو فقط توضيح أننا نفضل أن ننشر ماكتبه المشاركون (فى قسم "مشاركات بلا مدونات") كما هو دون اى تعديل..
      أما التصحيح اللغوى فنقوم به فعلا للمقالات الرئيسية للحملة..

      على أى حال، ما رأيك لو تطوعتى لمساعدة إيناس فى المراجعة اللغوية؟

  3. Randa says:

    عفوا.. لاشكر على واجب!.. أنا من أشد المعجبات برقى الفكرة ونبل الهدف من وراء المدونة ؛ وسبب معرفتى الأولية كان متابعتى لمدونة''On my own' ..مدونة راقية وشديدة العمق وتفيض بالمشاعر والأحاسيس الناعمة.. صاحبتها إنسانة نبيلة جدا ومرهفة الحس..للأسف توقفت ولا أدرى لم؟؟.. من فضلكم توصلوا لها كلامى لأنى أفتقد تدويناتها بالانجليزية للغاية .. وأرجو أن تبلغوها أن كتابتاتها من أرقى وأفصح ما قرأت بالإنجليزية..

    بخصوص المراجعة اللغوية طبعا يسعدنى ويشرفنى..

  4. مرحبا رندا ، بالنسبة لتعليقك على لغتى العربية فانا اتقبل الامر برحابة صدر لانى اعرف قدرتى فى الكتابة باللغة العربية غير جيدة وذلك راجع للاستخدامى للغة الاسبانية منذ النشأة حتى وقت قريب ..بالنسبة لتعليقك على الاخطاء فهو امر جيد بالنسبة لى ،فى مايتعلق بالعنوان فالخطا واضح ولكنى لم انتبه لزحمة الشغل لدى لتصحيح الامر.. وساكون مسرورة لو مددتى يد العون ..تقديرى

اضف تعليق