بقلم: ألفة طنطاوى
"انها ليلي تعيش بيننا ولكننا غالباً ما لا نراها"
بعزم وهمة تتابعت خطوات أم باسم علي طرقات حي الدرب الأحمر، بصوتها المجلجل تلقي بالتحية لوجوه تناثرت علي جانبي الطريق رجالاً ونساءً . البعض يبادلها التحية والبعض الآخر يومئ بابتسامة. وجهها يحمل لوناً قمحياً تشرب دفء الشمس ، عينان سودوان متوقدتان، وملامح متناسقة، و يحمل أيضاً صلابة وتصميم يسدلان ستاراً ناعماً علي حقيقة أنها إمرأة تري في نفسها جمالاً رغم أعوامها التي تعدت الخمسين وتخفيه وراء الصوت العالي المقتحم و الخطوات المتسارعة النشطة.
التحية التي تلقيهٍا كل صباح هي أكثر من مجرد تحية، فسهام أو أم باسم شخصية صاخبة ذات حضور تجيد فن العلاقات العامة وتعلم جيداً أن التحية والصوت المشرق المجلجل هما جزء من صورة تحرص أن ترسخها في نفوس وعقول من حولها عن نفسها ، صورة بنت البلد الجدعة، سيدة يعتمد عليها وقت الحاجة. ووقت الحاجة في حي قديم ومتهالك مثل الدرب الأحمر يمكن أن يكون مصدراً لرزق ودخل كبير، فالجميع يحتاجون من وقت لآخر الي مهارة الحرفي الشاطر لإصلاح مختلف الأعطال وخاصة في مجال السباكة وسهام هي أول ست في الدرب الأحمر، أول إمراة في القاهرة، أول سيدة في مصر وربما في العالم العربي تقتحم هذا المجال الشاق بجراة نادرة و بعزم مدهش.
بثقة وفخرإنطلقت سهام في الحديث الذي تعلن فيه جزئياً عن نفسها وعما يميزها عن غيرها "أقوم بكل الأعمال التي يقوم بها الرجال من أول إصلاح الأعطال الي تمديد المواسير وتركيب السيراميك. وتضيف " حين ادخل إلي المنزل وبعد إصلاح الاعطال كثيراً ما اقوم بإخراج ادوات وامضي وقتاً إضافياً في تزيين صاحبة المنزل"
تاريخ أم باسم المهني تاريخ حافل و غريب ففي شبابها عملت سكرتيرة بإحدي الشركات الكويتية وعادت مع زوجها الي الوطن بمدخرات ساعدتهما علي إفتتاح مطعم كبير. " إيديه كانت متغطية بالغوايش الذهب". ولأن استمرار الحال من المحال مالبث المشروع الناجح وربما بسبب الخلافات المتكررة بين الزوجين أن إنهار. وعاد الزوجين من جديد لإفتتاح محل مكوجي لتتجدد الخلافات. بعدها قررت سهام ان تمارس حرفة تجيدها جيداً وهي تزيين النساء و هكذا تحولت الي كوافيرة، غير ان المنافسة في هذا المجال كانت كبيرة ونفقات الأبناء كثيرة وكان الزوج قد رحل بلا عودة الي زوجة أخري وحياة لا يهتم فيها من قريب او بعيد بما قد يحدث لأسرته الأولي. وتلفتت سهام حولها تبحث عن العون. في البداية توجهت الي أحد مشروعات الشؤون الإجتماعية لتتعلم الحياكة غير انها ادركت ان إتقان المهارات المختلفة يحتاج صبر ووقت لا تملكه فهي بحاجة الي مصدر للرزق في اقرب وقت ممكن. وقتها سمعت بمشروع لمؤسسة أغاخان للتدريب المهني وبإصرار وعناد قررت الإلتحاق بالورشة لتتعلم السباكة. الحافز الأول في البداية ربما كان المكافاة المالية التي يصرفها المشروع للمشاركين بالورشة والتي بلغت 350 جنيه. غير انها سرعان ما أدركت ان هناك مميزات اخري كثيرة ، وان تلك الخطوة هي مجرد البداية.
"إحنا في حي شعبي، الناس ماتحبش إن البيت يدخله راجل غريب والست لوحدها، عشان يصلح حنفية ولا ماسورة مكسورة." بعقليتها التجارية أدركت سهام حقيقة أن تفردها في هذا المجال كإمراة سيفتح لها الكثير من الأبواب المغلقة وبسعي حثيث بذلت كل جهد ممكن لتكسب ثقة البعيد والقريب، و لتثبت انها مثل الرجال بل وأفضل ولمن ذلك كان بعد رحلة عناد وتحدي.
وجود سهام ضمن مجموعة مكونة من 21 رجل من أبناء الحي ومن أعمار مختلفة واجه رفضاً شديداً ومقاومة ليس فقط من زملاءها ولكن ايضاً من عدد من القائمين علي ورشة التدريب سواء من المعلمين أو المشرفين او حتي المنسقين للمشروع. المهندس احمد سعيد المسؤول عن التدريبات الفنية بوحدة التدريب المهني دافع عن قراره في البداية برفض مشاركة أم باسم في برنامج التاهيل المهني بقوله " كان هناك تخوف من أعباء ومخاطر الحرفة، ليس فقط لأنها إمراة ولكن أيضاً بسبب الأعوام الخمسين التي تحملها علي كاهلها". غير انهم إضطروا أمام إصرارها أن يتركوها تحاول لبعض الوقت في إنتظار اللحظة التي تعترف فيها بالهزيمة وتنسحب. ولكن سهام إرتدت الأوفرول الأزرق وحملت المعدات الثقيلة وواجهت برودة الملامح والتجاهل من جانب زملاءها ومن جانب مدربيها وخاصة أستاذ الاستاذ عادل أحياناً بإشراقة صوتها ترفعه بالسؤال وتلقي بالتعليق تلو الآخر، وأحيانأً أخري بصمت هادىء وإصرار علي إعادة المحاولة كلما واجهها الفشل.
التفوق علي الرجل تحدي إضطرت أم باسم أو سهام أن تخوضه ليس بهدف إثبات الذات ولكن ربما لأن الرجل في قصتها او الزوج إكتفي برجولة القول، بالملامح و الوجه الخشن والصوت الآمر، دون رجولة الفعل، بمعني الرعاية والمسؤولية والسعي من أجل تأمين عيش كريم لأسرة تحمل إسمه. هذا النوع من العلاقات التي تلعب فيها المراة دور الأم ودورالأب في حضور غائب للطرف الآخر هو واقع تعيشه الكثير من الأسر و الكثير والكثير من النساء، ويعكس داء مزمن استشري في بعض المناطق التي تقع علي خط عرض وخط طول الفقر بحدوده الدنيا، إنه قهر الفقر والذي يقهر الرجل ويدفعه لقهر المرأة في محاولة يائسة للإحتفاظ بصورته عن نفسه كرجل، ولكن الامر بنحصر في مجرد صورة تخلوا من كل معاني الرجولة الحقة.
هذا التصدع في العلاقة بين الرجل والمراةهو إنعكاس لحالة من الإنهيار الإنهيار الإنساني. وهي سمة ملحوظة في المجتمعات التي تغزوها العشوائية و تنعكس بقوة في صورة داء الإدمان المتوغل بين رجال وشباب الحي. في طريقنا إلي منزل سهام للقاء اسرتها نعبر الطريق وتلتقي عيوننا بواحد من اهل الحي وقد جلس في ظلال متناثرة امام بوابة منزله القديم المتهالك، جلس هو ايضاً متكاسلاً ومتهالكاً وقد خلا وجهه من التعبير. يعلو صوت ام باسم بالتحية " سلام عليكم يا عم بسيوني" وتختلج نظرة عابرة في عيون عم بسيوني ولكن جسده ويداه يأبيان الحركة أو التفاعل مع التحية. " معلش أصله مبرشم " وتضيف متعجبه " مع إن النهار لسه في اوله" تستدير سهام لتلقي نظرة طويلة متأنية علي الدرب المتعرج وأهله وتعلق بصوتها المجلجل " نفسي ربنا يشفي اهل الحي من طاعون الإدمان، يارب" ثم تستدير لتمضي في طريقها بحركة نشطة وابتسامتها التي لا تفارق وجهها ابداً.
في البيت ام عجوز وبنات في سن الشباب إحداهن يحمل وجهها حزن يشوبه خجل . هي ايضاً أم شابة ومطلقة، وتعيش مع والدتها والجدة والاخوات والابناء حياة موحشة تخلوا من الامل. علي العكس من الام، فإن الفتاة الشابة يعتريها خجل شديد ، إنها خجلة من كونها مطلقة ،و خجلة من إعتمادها شبه التام علي والدتها ، وخجلة من ان والدتها تسير في الطرقات مرتدية ذلك الأوفرول الازرق البغيض، تقول" أنا موافقة إن ماما تشتغل سباكة بس مش لازم يعني تمشي لابسة الاوفرول الازرق طول الوقت".
وأتساءل أنا من أين أتت الام بكل هذه القوة؟ ومن أين أتت الإبنة بكل هذا الضعف و قلة الحيلة؟
" ست بميت راجل" أصوات مختلفة رددت هذه العبارة وكأنها رجع الصدي. ويذكر المهندس احمد سعيد أحد الأيام حين تلقي إتصالاً هاتفياً علي الموبايل من أم باسم تبلغه بسعادة وحماسة شديدة أنها الآن و في هذه اللحظة تقف علي سقالة علي إرتفاع ثمانية ادوار وتدعوه لكي يشاهدها بنفسه وهي تعمل مثلها مثل اي رجل. ويبتسم "هذا الإصرار جعلنا جميعاً نحترم كفاحها". ولكن ربما يكون إعتراف الأستاذ عادل جمال الدين مدرس أول ورئيس قسم التركيبات الصحية والأكثر تشدداً ومغالاةً في رفض الفكرة في البداية بأن " الست ام باسم ست بميت راجل" هو من وجهة نظرها الإنتصار الأكبر.
يمكنكم الإلتقاء بليلي الواقع او الست ام باسم عبر هذا الفيلم التسجيلي القصير
http://www.mogtamana.com/videos/index.php?item=28






المرأة فعلا تستطيع ان شاءت أن تكون ست بميت راجل
اعتبارات المجتمع التافهة التي لا علاقة لها بالخطأ والصواب هي التي تقيد من تعطيها اعتبارا فقط وتضع نفسها فريسة لها
تثبت المرأة يوما بعد يوم بأنها يمكن أن تتحمل المسؤولية أكثر من الرجل إن احتاج الأمر. المرأة بعاطفتها الكبيرة وقلبها الذي يتسع لكل من تحب, تستطيع أن تضحي بكل شيء من أجلهم هؤلاء الذين تحبهم. لكن لا أتذكر أني سمعت بالكثير من قصص الرجال الذين ضحوا من أجل من يحبون..
للاسف نحن نعيش في مجتمع كل ما يفعله هو النقد الدائم للمرأة لأن كل فرد من أفراد المجتمع يعتبر نفسه وصياُ عليها بينما لا يجرؤ أي منهم على مد يد العون والمساعدة أو تحمل القليل فقط من مسؤولياتها..